جلال الدين السيوطي
92
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
جلالها ، ونفس محاسنها الحسنة النفائس ، وأنس معالمها المعمورة من مساجد ومدارس ، وفارس منبرها الذي ترجّلت من أجله ألسنة العرب لفارس ، وآية العجم التي لا تنسخ لمثلها ، ونادرته التي سلّمت لها الأعراب فصب خصلها وفصلها ، وروضة الانتجاع التي تقيد نظر المجتاز ، وكعبة العلم التي ليس بينها وبين الطالب مجاز ، فأكرم به من حاضر ! لو فاضل فصحاء البدو الأول لفضلت ولسئلت بنات خواطرهم الموءودة عجزا : بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [ سورة التكوير ، الآية 8 ] ولابتغوا نفقا في الأرض حين ابتغى لفظه في السماء سلّما ، ولأفلسوا مما وجد فكان من الإعجام من تتفق اللفظ سرفا ، ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق معزما ، فتعالى من أبرز له الفضل من حجابه ، وأمدّه بما نزل من الحجى به ، وخصّه بإلانة حديد القول وإمامة القوم ، فأهلا بداود ومحرابه ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من خلقه ، وهذا ما كان يرتقب من حرّ القول قد دخل تحت رق رقّه ما شئت من حكم تحيّر الحفّاظ ، وخطب كل محفل بإعادة ذكرها قيس وعكاظ ، ومن تصانيف احتوت على غرر الكلام وأوضاحه ، وتواليف ملأت باب البيان وحسبها تلخيص مفتاحه إلى غير ذلك من همّة ملاية ، وصيانة تلاية ، ونفس لها على تقريب الوصف بالمحاسن إحاطة فلاية ، وليس لله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد ، فالله تعالى يصون مجده العليّ من حوادث الزمان ، ونغنى بآثار تصانيفه البيض عن تصانيف قوم كخضراء الدّمن ، ويحفظ ذمار العلوم ببقاء شخصه الذي إن لم يكن هو لها فمن ؟ قال : ومن مدائحي فيه : يا بروقا على ربى يبرين * أيّ بيض أغمدت بين جفوني نحرت نصلك الكرى فلهذا * سال من وجنتي دم من شئوني وحكت رونق الثغور إلى أن * ضحكت بالبكا ثغور العيون آه للثغر والفم العذب أمسى * منهما العقل بين ميم وسين وغرير ما زلت ألقى الهوى في * ه بدمع واف وصبر خئون